
يأتي البعض ليسأل “ماذا سأستفيد من معرفة شكل الأرض؟ ولماذا كل هذا الجدال؟ فهل سيسألني الله عن شكل الأرض؟” وأقول له إن كنت غير مهتم فلم تسأل؟ ثم أليس الحق أحق أن يُتّبع؟ وأظن أن السائل وقف عاجزًا وهو يرى الباحثين يُعرّون النموذج الكروي ويدحضونه، وهذا الأمر يصعب عليه لأنه تشربَ هذا الاعتقاد ولُقن منذ صغره وأصبحت كروية الأرض من المُسلمات، كما أن من الأسباب التي تجعله يبقى متمسكًا بها هو عزاؤه أن الأكثرية لا تزال متمسكة بالنموذج الكروي، لكنه نسي أن الله ذم الأكثرية في عدة مواضع في القرآن، ومن أمثلة ذلك أن (أكثرهم للحق كارهون).
وجوابي للسائِل أنه بالتأكيد هناك فوائد لمعرفة تسطح الأرض، منها (فوائد عامة وأخرى على الصعيد الشخصي)، أما الفوائد العامة فقد تحدث عنها محسن الغيثي – مقال: ما الفائدة من معرفة شكل الأرض؟ أهي مسطحة أم كروية! – (1)، أما هذا المقال فسيتطرق إلى فوائد معرفة شكل الأرض على الصعيد الشخصي، وسأصنف الفوائد كالتالي: فوائد دينية، وفوائد علمية، وفوائد شعورية.
من الفوائد الدينية
الإيمان بالغيب..
فالله أخبرنا عن القرآن أنه (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب..)، ومعنى الإيمان بالغيب أن يُصدق المرء كل الأخبار التي أخبرنا بها الله ورسوله؛ كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. والإيمان بكتبه يعني الإيمان بما ورد فيها مثل الجن وقصص السابقين والجنة والنار، فنؤمن أنها كلها حق.
أما من آمن ببعض وكَفَرَ ببعض (.. أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون)، لذا فعلى المسلم أن يؤمن بالغيب الذي ورد في القرآن، ومما أخبرنا الله في كتابه من أمور الغيب أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأنه سَطَحَ الأرض وثبتها بالجبال الرواسي، وأنه رفع السماء، قل لي بربك ألن يسألك الله لو أنك آمنت بعكس ما ورد في القرآن؟ فتقرأ أن الأرض سُطِحت وتقول بل كُوِرت، وتقرأ أن السماء بِناءً وتقول بل فراغًا، وتقرأ أن الأرض ثبتت بالجبال الرواسي لكيلا تميد وتقول بل تدور حول نفسها وحول الشمس، وتقرأ أن القمر نورًا وتقول بل هي تعكس أشعة الشمس! برأيك ألن يحاسبنا الله على كل ذلك؟ لقد فُتِنّا جميعا باسم العلم وآن لنا أن نستيقظ ونتفكر ونتوقف عن تسليم عقولنا لهم.
معرفة شكل السماوات والأرض تؤدي لمعرفة الخالق..
لا شك أن التفكر في خلق السماوات والأرض يُفضي بك إلى معرفة الله والإيمان به، ولو كنت مؤمنًا وتفكرت فيهما لازددت إيمانًا.
سُئِل أعرابي كيف عرفت الله؟ فقال: البَعَرَةُ تَدُلُّ على البعير، والأَثَرُ يَدُلُّ على المَسير، فَسماءٌ ذاتُ أبراج، وأرضٌ ذاتُ فِجاج، أفلا تَدلُّ على العَلّي الخَبير!
بل حتى الكافر أو المشرك لو أعملَ عقله ولو قليلًا في مسألة السماوات والأرض فسيصل بسهولة ويسر إلى حقيقة وجود خالق واحد أحد خلقهن وخلق ما فيهن، وكما قال الله (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) سورة لقمان الآية 25، (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون الله) سورة العنكبوت الآية 61، (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) سورة الزمر الآية 38، فالنظر والتفكر في السماوات والأرض تقودنا لمعرفة وجود الله تعالى والإقرار بأنه هو من أحدث وخلق هذا الكون، وكيف لا يستنتج وجود الخالق وعيناه تريان بديع صنعته، ويقول الله (فارجع البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير) فكل صنعة جميلة تدل على قدرة صانعه، وكذلك تدلنا السماوات والأرض على الخالق.
ولكن اليوم لو سُئِلَ الكثير مِن البشر: مَن أوجد الأرض والسماوات؟ فسيقول عنها أنها نتيجة صدفة، وأننا نتيجة تطور! وكل ذلك بفضل آلية التلقين التي مارستها المدارس، والتي رسخت في عقولنا النظريات، لكن لا تزال السماوات والأرض وما فيهن شواهد على الله بديع السماوات والأرض.
وقال الله (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت) يقول تعالى حثًا للذين لا يصدقون الرسول ﷺ ولغيرهم من الناس، أن يتفكروا في مخلوقات الله الدالة على توحيده.
قِسم توحيد الله ومعرفة صفاته في القرآن مرتبط جدًا بالسماوات والأرض..
قسّم أهل العلم القرآن إلى ثلاثة أقسام: قِسم توحيد الله ومعرفة صفاته، وقِسم التشريعات، وقِسم قصص السابقين. أما بالنسبة لقِسم توحيد الله ومعرفة صفاته فتجد الله يُجيب عن تساؤلاتنا، فلو سأل سائل من هو الله؟ لوجد أن آيات القرآن تجيبه أنه (بديع السماوات والأرض)، (فاطر السماوات والأرض)، (له ما في السماوات والأرض)، (خلق السماوات والأرض وما بينهما)، وكثير من تلك الآيات التي تُعرِفنا بخالقنا أنه مُوجد السماوات والأرض وما بينهما.
أثناء دعوة النبي نوح لقومه، استدل بارتفاع السماوات وانبساط الأرض..
عندما بعث الله النبي نوح إلى قومه ليذكرهم بالله، قال لهم (ألم تروا كيف خلق الله فوقكم سبع سماوات طباقًا * وجعل القمر فيهن نورًا وجعل الشمس سراجًا) وصار يُشير إلى مخلوقات الله العظيمة وقال أيضًا (والله جعل لكم الأرض بساطًا)، نستنتج من ذلك أن التفكر في السماوات والأرض وما بينهما من آيات يزيد المُتفكر إيمانًا، ويهدي الضال والحيران إلى التوحيد، أما قومه فاستحبوا التقليد الأعمى لآبائهم على أن يتفكروا، لأنهم رأوا أنهم أقل علمًا ومكانة ومعرفة من آبائهم، فكانوا يشكون بقدراتهم العقلية لذا عطلوها! وتخيل معي لو أن شكل السماوات والأرض لا فائدة منها، فلماذا استدل النبي نوح بها؟ بل هما من آيات الله التي ما إن يُعطيهما المرء حقهما من التفكر يستدل لوجود صانع بديع قادر على كل شيء.
آية أبكت الرسول ﷺ..
عن عطاء قال دخلت أنا وعبد الله بن عمير على عائشة – رضي الله عنها – فقال عبد الله بن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله ﷺ، فبكت وقالت: “قام ليلة من الليالي فقال: يا عائشة، ذريني أتعبد لربي، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بَلَّ حجره، ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بَلَّ الأرض، وجاء بلال يؤذن للصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليّ الليلة آياتٌ، ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار). أخرجه ابن حبان في صحيحه وحسنه الألباني.
فأولي الألباب يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار فيزيدهم هذا إيمانًا بالله ويزيدهم خوفًا من عذابه ويزيدهم طمعًا بثوابه ومغفرته.
فالآن تكونت لنا صورة واضحة أن التفكر في السماوات والأرض يزيد من الإيمان، التفكر والتأمل في عظيم ما تشاهده بعينيك، وليس بما تشاهده من الصور المأخوذة بعدسة عين السمكة (Fish Eye Lens) أو الصور الحاسوبية (CGI).
قال الله (أفلا ينظرون) فكن من الناظرين، فكما قيل العين هي مفتاح القلب. تقرأ في القرآن بعد أن يذكر الله فضله على عباده ونعمه وآياته، يخبرنا أنها (آيات لقوم يتفكرون) فكن من المتفكرين.
التفكر في السماوات والأرض يؤدي إلى اليقين بالله
يخبرنا الله عن النبي إبراهيم وكيف أن تفكره في السماوات والأرض قاده لليقين بالله (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) سورة الأنعام الآية 75، أي: نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله، عز وجل، في ملكه وخلقه، وإنه لا إله غيره ولا رب سواه. كقوله (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) سورة يونس الآية 101، وقال (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون) سورة الأعراف الآية 185، وقال (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب) سورة سبأ الآية 9.
من الفوائد العلمية
ماذا يضرك لو ازددت علمًا؟ معرفتك بحقيقة تسطح الأرض وثباتها ستسبب لك حالة من الذهول، ستدخل في حالة الاستفاقة من بعد غفلة، ستتحفز بعدها لتقرأ وتبحث أكثر، ستفكر مرتين وتبحث عن الأدلة قبل أن تُصدق، ستبحث في كل الموضوعات وتقرأ لعدة آراء وستكون مُطّلعًا، وستبحث عن أشخاص مُطّلعين ومثقفين تناقشهم في شتى الموضوعات وتتجنب مناقشة من ينسخ ويُلصق ويُردد كالببغاء دون أن يدعم قوله بتجارب أو أدلة. ستفهم أن السفينة عندما تبتعد تختفي بسبب (قانون المنظور)، وأن الأشياء تسقط أو ترتفع بسبب (الكثافة والكتلة والحجم)، وأن الماء دائمًا يبحث عن الاستواء ولذلك تسمى المياه بالمسطحات المائية. شخصيًا، أعتقد أن معرفتي بأن الأرض مسطحة كانت الشرارة الأولى لأقرأ وأبحث في شتى المجالات، صحيح أنني لم أجد إجابات لجميع تساؤلاتي، لكنني اكتسبت وفهمت علومًا لم أكن لأكتسبها لولا الله ثم تلك الشرارة المحفزة.
من الفوائد الشعورية
بمجرد أن تدرك أنك كنت غافل عن هذه الحقيقة ستكون تحت تأثير الصدمة لوهلة، ثم ستنظر بازدراء إلى وكالات الفضاء، بل ستضحك وتتعجب وأنت تقرأ أخبار وكالات الفضاء، فهذا يُصرح أنهم لا يمكنهم الذهاب للقمر لأنهم دمروا التقنية التي أخذتهم لهناك، وهذا يقول أنه أرسل سيارة إلى الفضاء فيسأله صحفي لماذا يبدو الفيديو كأنه مزيف وغير حقيقي؟ فيجيب إنه حقيقي لهذا يبدو مزيف، وذاك الخبر الذي يقول أنهم اكتشفوا كوكب أمطاره من زجاج وآخر أمطاره من حديد! فبمجرد أن تؤمن بتسطح الأرض لن يستطيعوا ارجاعك لفخ الأرض الكروية.
ببساطة ستشعر بعظيم حجم الأرض وأنها هي مُستقرنا، وأظن أنني لا أستطيع أن أصف لك مدى جمال الحقيقة ما لم تكن جزءًا منه، فهل تذكر عزيزي القارئ حينما اصطف سحرة فرعون أمام موسى، لم يجلب فرعون أي ساحر، بل جَلَبَ كُل سحارٍ عليم، ولما غُلِب السّحرة، وعلموا أنهم أعلم الناس بالسحر وأن الذي أمامهم نبي مُرسل، خروا ساجدين، ما جاؤوا به السحر، وما جاء به موسى الحق، خروا ساجدين من غير أن يسألوه من ربك وما هي شريعتك أو أي سؤال، خروا ساجدين من غير تفكير أو تردد، خروا ساجدين مبهورين بعظمة المعجزة التي أتى بها، كان بإمكانهم أن يتحججوا أنه أعلم منهم بالسحر لكيلا يخسروا مكانتهم عند فرعون، كان بإمكانهم أن يكتموا إيمانهم، لكن لم يتمالكوا أنفسهم فخروا ساجدين، لم يخافوا عقوبة فرعون، أن يُصلبوا على جذوع النخل، وتُقطع أيديهم وأرجلهم، و يُتركوا تحت حر الشمس تنزف أطرافهم حتى الموت، أتعلم لماذا؟ لأنه لا توجد لذة أجمل من أن تُزال غشاوة الجهل عن عينيك وتُبصر الحقيقة، تلك اللذة لا تساويها أي لذة.
روابط ذات صلة
(1) مقال: ما الفائدة من معرفة شكل الأرض؟ أهي مسطحة أم كروية! – محسن الغيثي.