
وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا،.
قالَ اْللّٰه،. ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾،. فقالوا دحاها يعني على شكل بيضاوي!،. من هنا بدأت المصائب، من هذه الغلطة، والناس تكرر وتردد ما تسمعه فقط دون تحقيق ودون فحص، لم يذهبوا ليتأكدوا من صحة هذا الكلام،. ولو بحثوا قليلا سيكتشفون الخطأ،.
البحث لا يكون بالطريقة السهلة السريعة، بمجرد كتابتها على قوقل ومطالعة النتائج! إنما بالرجوع للكتب الأصول وفحصها بنظرة مدققٍ ومحقق، وضع القضية على منصة التهمة وغاص في أغوارها واستخرج كل خيط يؤدي لأصلها،. ثم ربطها بكل ما يتعلق بها، والنظر بتاريخ كتابتها وتأثر كُتّابها،. كل ذلك لن يتأتي من قوقل،. خاصة أن هذه الكلمة كلمة مفصلية، كثُر النزاعُ حولها،.
دحاها لا تعني بيضة لا من قريب ولا من بعيد،.
جاء في المعاجم القديمة، أيام العرب الأقحاح كــ الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري الفارابي (393 هــ)، ومختار الصحاح للرازي (666 هــ)، ومعجم لسان العرب لابن منظور (711 هــ)، والقاموس المحيط للفيروز آبادي (817 هــ)، أن دحاها معناها بسطها وسواها،. وهكذا كل المعاجم الأولية، حتى ظهرت المعاجم “المعاصرة” حديثاً وضع ألف خطٍ تحت كلمة “معاصرة”،. فزادوا في معناها بما يوافق ما يؤمنون به من تكور الأرض، فقالوا : دحاها أي جعلها كبيضة النعامة!!،. بدأ ذلك من “مُحيط المحيط” لـ بُطرس البُستاني (1819-1883 مــ) “لاحظ التواريخ بنفسك”،. واستمر الأمر إلى المعاجم الحالية المعتمدة في المناهج الدراسية لسهولة البحث فيها كــ المعجم الوسيط، والوجيز، والكبير، الذي ألفه مَجمَع اللغة العربية في القاهرة سنة 1994 مـ ونشرته وزارة التربية والتعليم!،. فثَبَتَ عند الناس أن الدحو هو البيضة،. بحجة المعاجم العربية!،.
بالبحث زيادة والتنقيب عن المصدر الأول لتلك النعامة [أي التشبيه النعامة]، تجد أن اثنان فقط من المعاجم القديمة ذكرت كلمة النعامة ولاحظ التواريخ،.
1 ــ القرطبي (671 هــ) في الجامع لأحكام القرآن قال : دحاها أي بسطها، ويقال ((لعش النعامة)) أُدحِي لأنه مبسوط على وجه الأرض،.
2 ــ ومعجم مختار الصحاح للرازي (666 هــ) : دحا الشيء بسطه، ومَدْحَى النعامة ((موضع بيضها)) وأُدْحِيُّهَا ((موضعها)) الذي تفرخ فيه،.
هل لاحظت أمراً؟! رغم إقرارهم أن الدحو بسطٌ، إلا أنهم ضربوا مثلاً لما يقال ولماذا قيل، وليوضحوا المعنى ولم يقصدوا البيضة ذاتها إنما موضع البيضة، ثم لاحظ أنهم بيّنوا أن “مدحى” مكان البيضة (العش أو الحفرة أو “تهيئة الأرضية” للبيضة) ولم يقولوا أن الأدحية البيضة نفسها،. ولكن الرجل المعاصر (الذي قرأ وتعلم منذ الصغر أن الأرض كروية بيضاوية) كتب المعجم الحديث وجعل الدحو هي البيضة وأزاح وحذف مكان البيضة أو العش، حتى يثبت “إعجازاً” في كلام الله،.
فقد جاء في معجم اللغة العربية المعاصر: دحا اللهُ الأرضَ بَسَطَها ومَدَّها ووسَّعَها على هيئة ((بيضة)) للسُّكنى والإعمار، دحا الخبَّازُ العجينةَ،.
فوجد “الإعجازيون العجزة” مادةً دسمة لأنفسهم، ليقولوا بعدها للناس، انظروا “للإعجاز” العلمي في القُــرآن سُبْحَانَ اللّٰه،. الله يقول أنه جعل الأرض بيضاوية قبل أن تكتشف ناسا هذا الأمر بــ 1400 سنة،. (يَشيخ؟!) والناس تصفق وتكبر،،.
لا أحد من المفسرين قال أنها كرة أو كوكب وبيضة دجاجة ونعامة وديناصور، ما عدا التفسير والمعجم “المعاصر” وحط خطين عريضين تحت كلمة ((معاصر)) لتعرف كيف صاروا يتملقون ويتزلفون لمواكبة ناسا، وحتى لا يقال القُــرآن مخالف للواقع، متخلف عن العلم، فبعد أن صدقوا الكذب المنتشر وثبُت في رؤوسهم، صاروا يؤولون القُــرآن حسب علم الفلك الجديد،. ليظهروا للغرب أن دينهم حق!
أخي العاقل، لو كانت الأرض حقيقةً بيضاوية الشكل، لماذا نراها دائرية تماماً في جميع الصور التي أُخذت للأرض من الفضاء* ومن القمر؟! كل الصور من 1969 (رحلة أبولو 11) حتى 2016 (عبر الاقمار الاصطناعية) تظهر الأرض كاللؤلؤة، دائرية زرقاء جميلة ليس فيها عوجاً ولا أمتاً؟! حتى سموها في ناسا البلورة الزرقاء (blue marble) لا نرى الشكل البيضاوي المزعوم للأرض إلا في خلفية المذيع في القنوات الإخبارية،. غالبا تكون رسماً مخططاً بخطوط الطول ودوائر العرض وليست صورة حقيقة،.
فهل هي بيضاوية كما يقول المعجم الحديث للقُــرآن وقنوات الأخبار، أم أنها كروية كما نرى الصور عبر ناسا؟! لا تقل كلاهما يحمل معنى متقارب لتضبطها، وتماشي الفكر السائد على حساب القُــرآن،. البيضة ليست كرة، والكرة ليست بيضة.
الله حين ذكر الكوكب (الكوكب يفترض أن يكون مكوراً) قال عنه ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا ((كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)) يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ…﴾ [النور 35]،. وقالَ نَبِيّ اْللّه ﷺ ﴿ﺇﻥ ﺃﻭﻝ ﺯﻣﺮﺓ ﻳﺪﺧﻠﻮﻥ اﻟﺠﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺻﻮﺭﺓ اﻟﻘﻤﺮ ﻟﻴﻠﺔ اﻟﺒﺪﺭ، ﺛﻢ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻠﻮﻧﻬﻢ ﻋﻠﻰ ((ﺃﺷﺪ ﻛﻮﻛﺐ ﺩﺭﻱ ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء ﺇﺿﺎءﺓ))،….﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ اﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭاﺑﻦ ﻣﺎﺟﺔ.
فذكر الكوكب أنه درّيّ، فالكواكب درّية، والدرة في اللسان اللؤلؤة المدوّرة استدارة مكتملة من غير نتوء ولا نقص ولا زيادة في بعض جوانبها،،. الدَر في اللسان هو الكثير المستفيض، غير المنقطع، كــدر اللبن، وناقةٌ مِدرار، وكما نقول لأحد “لله درك”، إذا كثر خيره فيُدعى له بعدم انقطاع خيره،. وعلى ذلك الُدرة والُدرر أنها سطح دائري مستمر غير منقطع،. جمعها دُرَرْ،.
فلو كانت الأرض حقا دريّة الشكل لقال الله عنها كذلك، ولو اكتفى بذكر الأرض أنها كوكبٌ لكفى، سيفهم القارئ لزاماً أن الأرض درّيةٌ حالها كحال بقية الكواكب الدرية، ولكن العجب أننا وجدنا أن الله ذكر الأرض 461 مرة في القُــرآن، ولم يَرِد لمرة واحدة كلمة كوكب مع كلمة الأرض أو تسميتها بالكوكب، ولا أنها درّية الشكل،. فهما شيئان مختلفان،. فالأرض ليست بكوكب،. وكيف تكون الأرض كوكباً وقد قال الله بأن الكواكب زينة السماء الدنيا،. ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات 6]،.
فهل نقول أننا في السماء الدنيا؟؟ هل نحن زينة؟؟ ولو كانت الأرض زينة، زينة لمن؟ لكوكب آخر ولأناس آخرين! القُــرآن نزل عليهم أم علينا؟! ولو كان (كوكب الأرض) في السماء الدنيا، فما هي هذه السماء التي فوقنا؟! علينا أن نقول نحن هناك!
ولاحظ أن الله لم يقل (الزجاجة كأنها كوكب كروي)،. وحتى لو قال هذا، فلن تجد في القُــرآن ذكراً للأرض أنها كروية أو درية نهائياً، مع أنها ذكرت 461 مرة!!
فالأرض ليست كروية، ولا درّية، وليست بكوكب، وليست بيضاوية كبيضة النعامة،. ولكنها سطحت كما قال ربها،. ﴿وَإِلَى ((الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ))﴾ ذكرها في سورة اسمها [الغاشية: الآية 20] وفعلاً، هكذا نراها، وهكذا يراها كل مبصرٍ ليس على عينه [غشاوة]،.
ــــ “الإعجازيون”،. لا شغل لديهم سوى ترقب ما يأتيهم من آلة الغرب، ثم جعل آيات القرآن مصدقة لأقوالهم،. لم ينتبهوا (كعادتهم) لسياق الآية التي يستشهدون بها ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾،. لمرة واحد فقط،. بل في جميع استشهاداتهم بالقرآن، يبترون ما يريدونه هم، ويبرزون الآية للناس، دون النظر في سياقها،. وكأنها آية يتيمة، نزلت هكذا لوحدها،. دون سابق لها ولا لاحق،.
يجب أن تُقرأ الآيات في سياقها (يعني ضمن الـ context)، لا أن تخرجها عن إطارها،. إقرأ الآيات التي تأتي قبلها وبعدها مباشرة، لكي تفهم سياق الموضوع،. ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات 27 ــ 33]،. فهل يبدو لك أن الآية تتحدث عن شكل الأرض، أم عن كيفية خلقها ومراحل خلقها؟
إذا كان “دحو الأرض” هو جَعلها “كروية”، فهل يجوز ويصح أن نقول بوجود الليل والضحى “قَبْلَ” دحو الأرض؟!
لقد وَرَدَت الآية،. ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ بَعْدَ الآيات ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ((وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا))﴾،. فالله (وقَبْلَ أن يَجْعَل الأرض كروية عندهم) أغطش ليلها، أي أظْلَمَهُ، وأخرج ضحاها، أي أبرز الضوء، أو النهار والحر؛ فَلْتُمْعِن النظر لعلَّك تفقه!
ركز من فضلك على كلمة “بعد ذلك”،. أي أن الأرض دحيت بعد رفع السماء،. لو أخذنا بتفسير المعاصرين وقلنا أن “دحاها” تعني “جعلها مثل بيضة النعامة”، فينبغي عندئذ طرح السؤال التالي: كيف كان شكلها قبل “الدحو”، وكيف ينبغي للسماء أن تكون مرفوعة فوق أرض بيضاوية الشكل؟
يليه الجزء الثاني، وفيه من خُلق قبل الآخر؟ وفيه معنى دحاها من القُــرآن،.
وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا،. تتمة،….
نتم في هذا الفصل ما تركناه في الجزء الأول من معنى دحاها،. ولكن قبل البت في معنى الكلمة،. نرد على شبهةٍ كثر تداولها عند الملاحدة،. وهي أن القُــرآن فيه تناقض، فمرةً يقول بأن الأرض خلقت قبل السماء،. ومرة بقول بأن السماء خلقت قبل الأرض،.
فمن خُلق قبل الآخر؟ السماء أم الأرض؟!
العجيب أن هذه الشبهة ليست عند الملاحدة فحسب،. بل وجدتها عند بعض الدعاة كذلك،. ممن تخصصوا في الرد على الملاحدة،. قال بعضهم بأن الأرض خلقت قبل السماء، دليله أن أكثر الآيات التي دلت على ذلك،. والبعض الآخر قال : بل السماء قبل الأرض، بدليل قول الله كذلك،. والأرض بعد ذلك دحاها،. أي بعد خلق السماء،.
رد الشبهة،.
لقد فصَّل الله الأمر في سورة “فُصّلت”،. قالَ اْللّٰه،. ﴿قُلۡ أَئنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي یَوۡمَیۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُ أَندَادࣰا ذَلِكَ رَبُّ ٱلۡعَالَمِینَ وَجَعَلَ فِیهَا رَوَاسِي مِن فَوۡقِهَا وَبارَكَ فِیهَا وَقَدَّرَ فِیهَا أَقۡوَ ٰتَهَا فِي أَرۡبَعَةِ أَیَّامࣲ سَوَاۤءࣰ لِّلسَّاۤئلِینَ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ وَهِيَ دُخَانࣱ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِیَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهࣰا قَالَتَاۤ أَتَیۡنَا طَاۤئعِینَ فَقَضَاهُنَّ سَبۡعَ سَمَاوَاتࣲ فِي یَوۡمَیۡنِ وَأَوۡحَى فِي كُلِّ سَمَاۤءٍ أَمۡرَهَا وَزَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِمَصَابِیحَ وَحِفۡظࣰا ذَلِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ﴾ [فصلت 9 – 12]،.
فالله قد خلق الأرض أولاً وبلا شك،.، ثم استوى إلى السماء،. وهذه واضحة، فكلمة (ثم) تدل على التتابع في الزمن،. وهذه أبين آية توضّح أن خلق الأرض كان قبل تسوية السماء،. وتوجد غيرها كذلك، تُفهم بوضوح، من مثل قول الله،. ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا (ثُمَّ) ٱسۡتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبۡعَ سَمَاوَاتࣲ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِیمࣱ﴾ [البقرة 29]،.
أما آية النازعات (التي تنازعوا حولها)،. والتي أشكلت على كثيرٍ ممن أصيبوا بالحَوَل،. فقد قال الله فيها أنه دحى الأرض، ولم يقل أنه خلقها،.. والفرق كبير بين الكلمتين وواضح،. لا يحتاج لبيان إلا للأعجمي،.
قالَ اْللّٰه فيها،. ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاۤءَتِ ٱلطَّاۤمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ﴾ [النازعات 27 ــ 34]،.
فنقول هنا لمن أُعجم لسانه،. أن كلمة الخلق أصلها وجذرها خَلَقَ،. أما كلمة دحاها، فأصلها وجذرها دَحَيَ،. نعلمه العربية خطوة خطوة (ابتسامة ساخرة)،.
فاللّه خلق الأرض أولاً، ثم سوى السماوات،. ثم دحى الأرض ليخرج منها الماء والمرعى،. ولتفهم هذا نضرب له مثلاً،. فبالمثال يتضح المقال،. ولله المثل الأعلى،.
أنت لتصنع خبزاً،. أولاً تخلط وتضيف المواد، ثم ((تخمر)) وتنتظر حتى تتخمر العجينة،. ثم تعجن ثم تتركها لبرهة، ثم تعود وتعجن، ثم تجهز الفرن، ثم تخبز،. فلو ذهبت لصنع كوباً من الشاي أثناء فترة التخمير الطويلة،. ثم رجعت وأكملت الخبزة،. ثم انتهيت منها فشربت الشاي حين ذهب فواره،. فهل ستقول أنك صنعت الشاي قبل الخبزة؟! لا بالتأكيد، بل ستقول أنك صنعت الخبزة أولاً، ولكن أثناء صنعها صنعت الشاي،. فالخبزة سبقت الشاي،.
ــ لله المثل الأعلى،. الله خلق الأرض أولاً كما فصَّل ذلك في سورة فصّلت، خلقها ولمَّا يَدحُها بعدُ،. ثم بعد خلق الأرض، استوى إلى السماء فقضاهن سبع سماوات،. ثم دحى الأرض بعد ذلك،. فالدحو كان بعد خلق السماء، أم خلق الأرض فقبل خلق السماء،.
ما المعنى الحقيقي لــ دحاها؟!
عرفنا في الجزء الأول مصدر الخطأ (أي خطأ تشبيه الدحو بالبيضة)،. فنزيح البيضة من الموضوع تماماً، ونرجع لما كان عليه الأمر قبل ذلك،…. دعونا لنتعمق زيادة في الكتب القديمة، ونسأل بعض الاسئلة لعل الله يرشدنا السبيل،. ما علاقة الدحو بعش النعامة،. وهل أصاب الأولون حين شبهوا الدحو بعش النعامة؟! أم لأنها جاءت الآن موافقة لهوانا فقبلناها وأيدناها ونصرنا هذا الرأي؟!
الدحو ليس له علاقة بالنعامة نهائياً، لا من قريب ولا من بعيد، ولا حتى كتشبيهٍ لعش النعامة،.. ولكن بسبب التفاسير، تبرمجت أذهاننا على النعامة،. فصرنا نبحث في حياة النعامة، وعش النعامة، وبيض النعامة،. أذهاننا حُصرت في أمور النعامة بينما الآية لم تتكلم عنها،. إنما جاء الربط من أحدهم،. (القرطبي في القرن السادس!)،.
التفاسير صارت تشكل لنا صوراً ذهنية تافهة، وتخيلات سخيفة ليس لها علاقة بالقرآن،. ولا بسياق الآيات، لا تنظر لتفسير الله لكلامه، ولا تربط الآية بأخواتها وشبيهاتها، ثم النتيجة : عش بيض النعام! بحجة أن العرب تسمي العش دحية! وليس لذلك أصل،.
قد يخترع الكذبة شخص واحد، ثم تنتشر وتبلغ الآفاق، فيقول السامع من الجيل اللاحق : بالتأكيد، كانت العرب تقول للبيضة دحية! أكيد، واضح، لابد،.
يا شيخ،. نحن لا نقبل حديث الرَّسـوْل ﷺ لو كان ضعيفاً، وربما تجد الحديث مسنداً مرفوعاً ويحمل ألفاظاً توافق الوحي، وفيه بيان شافٍ وحكمٌ وعبر،. فنرُدَّها لمجرد علة خفية في السند، فكيف نقبل بقيلٍ وقال، وشعر فلان، وكلام العرب، دون أي سند ولا برهان من الوحي؟!
الدحو ليس له علاقة بالبيضة ولا بالعش، ولا بالنعامة أساساً، الدحو له علاقة بالماء،. هكذا سياق الآية،. ما علاقة الماء بحياة النعامة؟! انظر كيف يفترون على الله الكذب،. وكفى به إثماً مبيناً،.
معنى الدحو،..
دحى الأرض أي شق الأرض،. عرفنا ذلك من القُــرآن،. فالقُـرآن يفسر نفسه،. قالَ اْللّٰه،. ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ ((تَفْسِيرًا))﴾ [الفرقان 33]،.
حين ذكر الله الدحو، كان ذلك في سياق معين،. هذا السياق ستجد مثله في القُــرآن،. فيكون عندك سياقين، باختلاف يسير في الكلمات، تستطيع أن تفهم معنى الكلمة في السياق الأول، من الكلمة البديلة في السياق الثاني،. مثال ذلك،. قول الله،. ﴿وَلَقَدۡ زَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِمَصابِیحَ وَجَعَلۡنَـٰهَا رُجُومࣰا لِّلشَّیَاطِینِ وَأَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابَ ٱلسَّعِیرِ﴾ [الملك 5]،. هذه الآية لها أخت في القُــرآن،. ولكن تغيرت لفظة المصابيح للفظة أخرى،. هي تفسير لها،. قالَ اْللّٰه،. ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفۡظࣰا مِّن كُلِّ شَیۡطَانࣲ مَّارِدࣲ لَّا یَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَى وَیُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبࣲ دُحُورࣰا وَلَهُمۡ عَذَابࣱ وَاصِبٌ إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُ شِهَابࣱ ثَاقِبࣱ﴾ [الصافات 7 – 10]،. فالمصابيح هي الكواكب،. ومن وظائفها الحفظ،. قال الله عنها،. ﴿..وَزَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِمَصَابِیحَ وَحِفۡظࣰا ذَ ٰلِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ﴾ [فصلت 12]،.
هذا مثال على التفسير بالقرآن،. ويوجد غير هذا أمثلة كثيرة، وقد صنف بعض العلماء كتباً لتفسير القُــرآن بالقرآن،.. فهذا أحسن سبيل لتفسير القُــرآن،. أن تفسر القُــرآن بالقرآن،. بالنظر في المتشابهات والمثاني،.
عندنا الآن كلام الله عن دحو الأرض،. فهو مرة قال دحاها، ومرة قال كلمة أخرى تفسرها،. في سياق شبيه جداً بسياق آية الدحو،. فلننظر في السياقين،.
قالَ اْللّٰه،. ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاۤءَتِ ٱلطَّاۤمَّةُ ٱلۡكُبۡرَى﴾ [النازعات 27 ــ 34]،.
وقال،. ﴿فَلۡیَنظُرِ ٱلۡإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَاۤءَ صَبࣰّا ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقࣰّا فَأَنۢبَتۡنَا فِیهَا حَبࣰّا وَعِنَبࣰا وَقَضۡبࣰا وَزَیۡتُونࣰا وَنَخۡلࣰا وَحَدَاۤئقَ غُلۡبࣰا وَفَاكِهَةࣰ وَأَبࣰّا مَّتَاعࣰا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَامِكُمۡ فَإِذَا جَاۤءَتِ ٱلصَّاۤخَّةُ﴾ [عبس 24 – 33]،.
في كلا السياقين قال،. ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾،. وهي نفسها بالضبط،. في الأولى والثانية،.
كلا السياقين ختما بالكلام عن يوم القيامة،. ففي الأولى قال،. ﴿فَإِذَا جَاۤءَتِ ٱلطَّامَّةُ ٱلۡكُبۡرَى﴾،. وفي الثانية قال،. ﴿فَإِذَا جَاۤءَتِ ٱلصَّاۤخَّةُ﴾،.
فلو رجعت للسياق لتقرأ ماذا قال عن الأرض،. ستجده في الأولى قال،. ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا﴾،. وفسرها بالثانية فقال،. ﴿ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقࣰّا﴾،. فالدحو يعني الشق، وليس أي شق،. إنما شق بغرض إخراج الماء،.
ففي كلا السياقين ذكر الماء،. في الأخيرة قال،. ﴿أَنّا صَبَبۡنَا ((ٱلۡمَاءَ صَبࣰّا ثُمَّ شَقَقۡنَا)) ٱلۡأَرۡضَ شَقࣰّا﴾،. وفي الأولى كانت واضحة جداً أن الدحو لها علاقة مباشرة بالماء،. فقد قال بعدها،. ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ ((دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا)) وَمَرْعَاهَا﴾،.
فالدحو شق الأرض لإخراج الماء،. متاعاً لنا ولأنعامنا لنحيى،. الدحو ليس البسط، ولا الفرش ولا عش النعامة ولا بيضتها،.
والذي يبرهن على هذا المعنى هو قول الله،. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ((كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ)) كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [اﻷنبياء 30]،.
كانت الأرض رتقاً، قطعة مغلقة، لا حياة فيها ولا معلم،. فشقها الله (دحاها)، فأخرج منها الماء والمرعى، ودبت فيها الحياة،..
ولو رجعت لتفسير الطبري لآية الدحو، تجده ذكر في معرض الآراء رأياً أسنده لابن عباس بسند واه لم يثبت عنه،. فلا نحتج فيه (لهذا أجلت وضعه لآخر المقال)،. ولكن نستخدمه كشاهد على ما قلناه،. قال أبو جعفر الطبري : وقال ابن أبي حاتم [هكذا معلقاً] حدثنا أبي [ثقة]، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي [مجهول]، حدثنا عبيد الله – يعني ابن عمرو – [ثقة] عن زيد بن أبي أنيسة [عنده مناكير]، عن المنهال بن عمرو [ضعيف]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (دحاها) ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، ((وشقق فيها الأنهار))، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام،.
وهذا قولٌ منسوب لابن عباس كما يطيب للبعض، ولم يقل فيه شيء عن المد والبسط، إنما ذكر شق الأرض بالأنهار وذكر الماء والمرعى، وفعلا هكذا هو سياق الآية، فلا ينبغي أن ننصرف إلى غير معاني السياق،.
بعد أن عرفت بالبراهين أن الدحو هو شق الأرض لإخراج الماء أو لاحتواء الماء،. قلت في نفسي، ولماذا أدخلت العربُ النعامةَ في معنى الدحو؟! فخلصت لهذه الخاطرة في نفسي ولعلها تكون خاطئة،. ولكن اسمعها،.
النعامة بالتحديد، من دون جميع الدواب، ومن بين جميع الطيور، انفردت بأمر خاصٍ فيها واشتهرت به، تفعلها هي وحدها دون غيرها، حتى صارت تُعرف به ويُضرب بها المثل،. ألا وهو وضع بيضها في حفرة في الأرض، وليس في عش من أغصان الشجر، بغض النظر عن السبب، ولكن هذا الفعل منها، الذي هو شق الأرض،. أليس هو الدحو بعينه؟،. فلربمها كان هذا هو السبب من إدخال اسم النعامة في معنى الدحو في كتب العرب الأوائل،. فمدحاة النعامة هي الشق الذي تحدثه النعامة في الأرض لتضع فيه بيضها، ثم مع مرور الوقت صُرف معنى المدحاة لغير الشق، فتحرفت مع الزمن إلى العش، ثم منها إلى البيضة ولأجل هذا قال الأولون “أن الله دحى الأرض أي بسطها ووسعها”،. وقال المتأخرون “جعلها كهيئة البيضة”!،. وحينها عرفت بأن إدخال النعامة في معنى كلمة الدحو، لم يكن صدفةً أو خطأً،.
هذا ما جال في خاطري، فإن أصبت فيها فهو من الله وحده، وإن أخطأت فيها فهو مني ومن الشيطان، والله بريء من رأيي،. رَبَنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،.. ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾،.
بكيبورد، محسن الغيثي،.