
المقال مُقسّم على ثلاثة أجزاء، أولًا: سنستعرض افتراضات وحسابات إراتوستينس، ثانيًا: سنستعرض إمكانية حدوث ظاهرة (تعامد أشعة الشمس على أعمدة مدينة أسوان وفي نفس الوقت حدوث ظل لأعمدة مدينة الإسكندرية) على نموذجي الأرض المسطحة والكروية، وأن لكل نموذج اشتراطات معينة لحدوث الظاهرة، ثالثًا: إثبات أن الظاهرة تتوافق مع نموذج الأرض المسطحة.
أولًا: استعراض افتراضات وحسابات إراتوستينس
إراتوستينس هو رياضياتي وجغرافي وفلكي، قام بحساب (مُحيط الكرة الأرضية) من خلال علم المثلثات، وهذه الحسابات أمكنت من قياس (نِصف قُطر الكرة الأرضية). لا تزال حساباته حاضرة إلى يومنا هذا، ويُستشهد بطريقته على أنها أقدم وأبسط تجربة حسابية تدل على كروية الأرض!
تقول القصة التي تعود تقريبًا لسنة 240 قبل الميلاد، قرأ إراتوستينس في إحدى الوثائق أن هنالك ظاهرة تحدث سنويًا في تاريخ 21 يونيو وقت الظهيرة، حيث تختفي ظِلال الأعمدة في مدينة أسوان، وأن ظلال أعمدة المعابد تقصر شيئًا فشيئًا كلما اقترب الوقت من منتصف النهار إلى أن تختفي نهائيًا عند الظهيرة، دفعه الفضول لمعرفة إذا ما كانت الأعمدة في الإسكندرية تلقي ظِلالًا في يوم 21 يونيو وقت الظهيرة، واكتشف أنها تلقي ظلالًا خلافًا لما هو عليه الأمر في أسوان.
فَكَرَ إراتوستينس في سبب اختلاف زاوية سقوط ضوء الشمس بين مدينتي أسوان والإسكندرية، واستنتج أن الأرض كروية، حيث أنه لو كانت الأرض مسطحة فإن أشعة الشمس سوف تجعل الأعمدة في أسوان والإسكندرية تلقي الظلال ذاتها، وأن اختلاف الظِلال لا يمكن تفسيره إلا بكون الأرض محدبة بحيث تصنع أشعة الشمس زاوية مختلفة مع الأعمدة الموجودة في أسوان عن تلك الموجودة في الإسكندرية.
استنتج إراتوستينس أيضًا أن الزاوية بين أسوان والإسكندرية مقدارها 7.2 درجة على امتداد سطح الأرض (أي إذا رسمنا خطًا مستقيمًا من الإسكندرية إلى مركز الأرض وآخر من أسوان إلى مركز الأرض فإن الزاوية بين الخطين مقدارها 7.2 درجة) وهي تشكل نحو جزء من خمسين من محيط الأرض المساوي 360 درجة.

قام إراتوستينس بقياس الزاوية بطريقة الهندسة البسيطة حيث قام بقياس طول عصا ووضعها عمودية على الأرض في الإسكندرية، وقام بقياس الظِل عندما كانت الشمس عمودية تمامًا على أسوان. ومن معرفة طول الظِل وطول العصا الحقيقي، قدر أن يحسب زاوية ميلان الشمس باستخدام قوانين المثلثات المعروفة.
عرف إراتوستينس أن المسافة بين أسوان والإسكندرية مقدارها 800 كيلومتر بعد أن كلف رجلًا لمهمة قياس المسافة مشيًا بالخطوات بين المدينتين.
- المسافة بين الإسكندرية وأسوان 800 كيلومتر.
- الزاوية بينهم بالنسبة لمركز الأرض 7.2 درجة.
- الزاوية الكلية للدائرة 360 درجة.
المحيط الكلي للأرض يكون مساويًا لحاصل قسمة 360/7.2 مضروبًا في المسافة بين المدينتين 800 كيلومتر، وينتج من هذه الحسابات أن محيط الأرض يبلغ 40,000 كيلو متر (1).
وباستخدام نفس المُعطيات السابقة بالإمكان قياس نِصف قُطر الأرض الكروية، عن طريق علم المثلثات قائم الزاوية، والتي تساوي 6,371 كيلو متر.
ثانيًا: استعراض إمكانية حدوث الظاهرة على النموذجين
ما يجهله معظم الناس أن ظاهرة تعامد ضوء الشمس على أعمدة مدينة أسوان، وحدوث ظل في نفس الوقت لأعمدة مدينة الإسكندرية يمكن أن تحدث على النموذجين: الكروي والمسطح، لكن كلا النموذجين لهما اشتراطات خاصة حتى تحدث عليها الظاهرة.


يُمكن حدوث الظاهرة على النموذجين بعدة اشتراطات لكل نموذج، وهي كالتالي:
نموذج الأرض الكروية يشترط: أن تكون الشمس كبيرة، أن تكون الشمس بعيدة، أن تكون أشعة الشمس متوازية.
نموذج الأرض المسطحة يشترط: أن تكون الشمس صغيرة، أن تكون الشمس قريبة، أن تكون أشعة الشمس مُتباعدة.

يمكن تفسير الظاهرة بكل بساطة على نموذج الأرض المسطحة؛ فالشمس صغيرة وقريبة وتدور في فلكها إلى أن تتعامد بزاوية 90 درجة فوق مدينة أسوان في تاريخ 21 يونيو، مما يعني انعدام الظِل فيها وقت الظهيرة، ولأن أشعة الشمس مُتباعدة؛ فإن الأشعة تسقط على مدينة الإسكندرية بزاوية 7.2 درجة.

إذًا هذه الظاهرة يمكن حدوثها على النموذجين، ولكل نموذج اشتراطات يجب أن تتوفر لتحدث الظاهرة، ولمعرفة أي النموذجين هو الصحيح علينا أن نقارن بينهما وبين الواقع.
افترض إراتوستينس عدة افتراضات ليحسب مُحيط الأرض الكروية، وفي حال ثبت عدم صحة افتراضاته فإن حساباته لمُحيط الأرض، وكذلك حساب قُطر الأرض، جميعها تُدحض. وللتذكير فإن افتراضات إراتوستينس كالتالي: الشمس كبيرة، الشمس بعيدة، الشمس أشعتها متوازية، الأرض كروية. فهل فعلًا افتراضاته صحيحة؟
ثالثًا: إثبات أن الظاهرة تتوافق مع نموذج الأرض المسطحة
هناك عدة أدلة مُشاهدة يُمكننا من خلالها إثبات أن الشمس صغيرة، وقريبة، وأشعتها مُتباعدة، يمكن ملاحظة هذا بالنظر أو التجارب.
أشعة الشمس مُتباعدة (the Sun’s rays are divergent)
من خلال المشاهدات اليومية والتجارب البسيطة يمكن إثبات أن أشعة الشمس مُتباعدة، وليست متوازية.
للاستزادة راجع الفيديوهات في نهاية المقال.


حتى أن المؤمنين بنظرية كروية الأرض لا يمكنهم إنكار ذلك، بل يقولون إن أشعة الشمس متوازية، لكنها عندما تصطدم بالغلاف الجوي عندها تتباعد، حسنًا إن آمنتم بأن أشعة الشمس تنزل على الأرض متفرقة بسبب الغلاف الجوي فيجب أن تؤمنوا أن تجارب وحسابات إراتوستينس والبيروني خاطئة تمامًا، وذلك لأن حساباتهم قائمة على افتراض أن أشعة الشمس متوازية!

بقعة ضوء الشمس (Sun’s hotspot)
بقعة الضوء أو (النقطة الساخنة) هي بقعة شديدة السطوع تتكون على الأسطح القريبة من مصدر ضوئي؛ وذلك بسبب تركيز الضوء عليها.

بقعة الضوء الصغيرة السّاطعة على السُّحب تدل على أن الشمس قريبة من الأرض.
قالوا إن الشمس كبيرة لدرجة أن “حجمها يتسع لِأن يُوضع بداخلها 1.3 مليون كوكب مثل الأرض”، هل يُعقل أن شمسًا بالحجم الهائل الذي صوروه لنا تُسلط بقعة ضوء صغيرة جدًا على السُّحب (كما في الصورة التوضيحية 7)؟

تساؤلات
تساؤلاتي للمؤمنين بنظرية كروية الأرض.. ألستم تقولون إن الطريقة التي استخدمها إراتوستينس طريقة عبقرية؟ ألستم تتشدقون بتجربته؟ وبعلم المثلثات؟ لاحظ (الصورة التوضيحية 11) وقل لي ماذا تعتقد؟ هي نفس التجربة ونفس القوانين المستخدمة لكن عكسناها لنحسب ارتفاع الشمس، هل تعتقد أن الصورة غير منطقية؟ لقد استخدمت نفس المعطيات ونفس الطريقة التي حسبوا بها نصف قُطر كرتهم الأرضية!
في الحقيقة يعتقد بعض المؤمنين بتسطح الأرض أن الشمس ترتفع عن الأرض بـ 6 كيلومتر تقريبًا، البعض الآخر يعتقد أن هذا انعكاس للشمس في سماءنا، ويدعم الفكرة الثانية البروفيسور إيريك دولارد (Eric Dollard) رغم أنه من المؤمنين بكروية الأرض إلا أنه صرح بأن الشمس التي نراها ماهي إلا انعكاس (2).

فيديوهات ذات صلة بالموضوع
فيديو الشمس قريبة جدًا وصغيرة الحجم، أشعة الشمس بشكل مثلث تحت السحاب – قناة على الفطرة.
فيديو الأرض مسطحة: حسابات إراتوستينس لمحيط الأرض، أين الخطأ؟ – قناة واقع اليوم.
فيديو خطأ إراتوستينس والبيروني ومحيط الأرض المسطحة – قناة الباحث عبدالله أحمد.
Neil DeGrasse Tyson Destroys The Eratosthenes Story – Mike Boll channel
Debunking # 6 of the “Top Ten Reasons Why We (allegedly) Know the Earth is Round (as in a globe) – Rob Skiba
الخُلاصة والخاتمة
ثَبَتَ أن الظاهرة يمكن حدوثها على النموذجين المسطح والكروي وكل نموذج منهما له اشتراطات معينة حتى تحدث عليه الظاهرة، وثبت أن نموذج الأرض المسطحة متطابق مع الاشتراطات، كما ثبت بطلان افتراضات إراتوستينس وقياساته.
في الختام أسأل الله أن أكون وُفِقت لإيصال الفكرة.
المصادر
(2) حقيقة الشمس – البروفيسور إيريك دولارد.