القِبلة في أمريكا الشمالية على النموذجين

مؤشر القبلة، مصدر الصورة: Shutter Stock

للصلاة أهمية بالغة في الدين الإسلامي، فكما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)، ولا تصح الصلاة إلا بشروط ومنها استقبال القبلة التي أمر الله بها وقد كانت تجاه بيت المقدس وتحولت إلى الكعبة (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم * وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم * قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون * ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين * الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون * الحق من ربك فلا تكونن من الممترين * ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير * ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون * ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون) سورة البقرة الآيات 141 – 150، فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به؛ عدى في حالة المرض وشدة الخوف أو النافلة (1).

ولأهمية الموضوع اجتهد المسلمون في تحديد اتجاه القبلة بالأفلاك السماوية أو باستخدام الاسطرلاب والبوصلة.. إلخ، غير أن تحديد اتجاه القبلة في وقتنا المعاصر أصبحت واحدة من المسائل المختلف فيها وذلك لاختلاف تصور هيئة الأرض مسطحة أم كروية.

بالمِثال يتضح المقال، المسلمون في أمريكا الشمالية بنوا مساجدهم باتجاه الجنوب الشرقي، كما أنهم دفنوا موتاهم بذات الاتجاه في مقابر المسلمين القديمة مثل مقبرة مدينة ساكرامينتو في محافظ كاليفورنيا الأمريكية، ومقبرة مدينة ترورو في محافظة نوفا سكوتيا الكندية.

لو اعتقدنا بصحة النموذج الكروي فهذا هو الاتجاه المنطقي للقبلة، فمدينة مكة تقع جنوب شرق كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، لكن كانت القبلة محل شك وتكرر سؤال مسلمي أمريكا الشمالية لدور الافتاء عن الاتجاه الحقيقي للقبلة.

مصدر الصورة: موقع السنة

من بين الذين اجتهدوا في تصحيح اتجاه القبلة كمال عبدلي حينما أصدر كتابًا عام 1978م بعنوان “مواعيد الصلاة لأمريكا الشمالية” (2) ورغم اعتماده النموذج الكروي إلا أنه استدل بالحسابات الرياضية ليثبت أن الاتجاه الأقصر لمكة هو شمال شرق وليس جنوب شرق، وذلك باستخدام حسابات المثلثات الكروية، ودعم كلامه بأعمال لآخرين توصلوا لنفس النتيجة.

الشيخين سمير القاضي ورياض الناشف من بين الذين ردوا على كمال عبدلي في كتاب “إثبات أهل الحق أن اتجاه القبلة في الولايات المتحدة وكندا إلى الجنوب الشرقي” (3) عام 1994م، لكن الرد كان ضعيفًا جدًا، فقد أخطأوا باسم الكاتب وسنة النشر بل وقولوه ما لم يقل وادّعوا أن الجماعات المنحرفة احتفت بكتابه وأيدته، كما أنهم اقتبسوا من عدة مجلات إسلامية قديمة النصوص التي تشير إلى أن القبلة باتجاه جنوب شرق واعتمدوها كأدلة.

ليرجع كمال عبدلي مرة أخرى عام 1997م ببحث جديد تحت عنوان “القبلة الصحيحة” (4)، شرح فيها كيف أن القبلة الصحيحة لأمريكا الشمالية هي شمال شرق بدليل حسابات المثلثات الكروية التي تبين أن هذا الاتجاه هو الأقصر إلى مكة، وكذلك استشهد بظاهرة تعامد الشمس على الكعبة والتي تحصل مرتين في كل عام وذلك بتاريخ 28 مايو وتاريخ 15 يوليو، فحينما تتعامد الشمس على الكعبة يستطيع المسلمين في أنحاء العالم من تحديد اتجاه القبلة ورغم بساطة الطريقة إلا أنها دقيقة، وذلك عن طريق غرس أي جسم عمودي على الأرض ومن ثم مراقبة الظل، ويكون اتجاه القبلة في الجهة المعاكسة للظل، بحيث يشير امتداد الظل إلى موقع الكعبة المشرفة.

وأما دور الإفتاء في هذه المسألة فإليك الاختلاف الذي وصلوا إليه، أما الأزهر الشريف (5) في مصر فقد أفتى عام 1994م بأن الاتجاه الصحيح للقبلة هو (الجنوب الشرقي) لأنه الامتداد الصحيح لخط القبلة من الموقع الذي فيه المسجد، وأما قُصر المسافة من اتجاه الشمال الشرقي فذلك يستخدم في السفر إلى مكة لا في اتجاه القبلة، وتكررت الفتوى بذات المضمون والمغزى عام 2015م.

إلا أن ما جاء في “الدرر البهية من الفتاوى الكويتية” (6) الصادر عام 2015م مغاير، فقد عرضت فتوى على هيئة الإفتاء الكويتية من جمعية إسلامية في كندا يسألون عن اتجاه القبلة الصحيح لمسلمي أمريكا الشمالية، وللإجابة استعانت هيئة الإفتاء بالفلكي الدكتور صالح العجيري والجغرافي الدكتور محمد شافي للاستفادة من خبراتهما في الفلك والجغرافيا ورحلات الطيران والمسافات بين البلدان، واستنتجت الهيئة في نهاية المطاف أن اتجاه القبلة هو شمال شرق.

صحيح أن الكثير من المساجد صارت تبنى ومحاريبها باتجاه شمال شرق، لكن لا يزال الخلاف قائم، ويوجد إلى اليوم مساجد تصلي باتجاه جنوب شرق، وهذا الاختلاف في تحديد اتجاه القبلة غير مقتصر على أمريكا الشمالية فحسب وإنما يشمل الأمصار البعيدة، وكيف أن الاستعانة بالدائرة العظمى ساعدت في تصحيح اتجاه القبلة في ملف أمريكا الشمالية إلا أنها في الوقت ذاته استحدثت نظام جديد لتحديد اتجاه القبلة وهو الاتجاه الأقصر إلى الكعبة!

فإذا علمنا أن الصلاة وهي ركن من أركان الإسلام، لا تصح إلا باستقبال القبلة، وأن تحديد اتجاه القبلة صار محل خلاف بسبب اختلاف التصور حول هيئة الأرض مسطحة أو كروية؛ فهذا يدعونا لإعادة دراسة هيئة الأرض وتبيين الصواب.

المصادر

(1) ما هي الحالات التي يمكننا فيها تغيير القبلة، مجموع فتاوى ابن عثيمين، الإسلام سؤال وجواب، 2004م.

(2) مواعيد الصلاة لأمريكا الشمالية، كمال عبدلي، منشورات أميريكان ترست، 1978م.

(3) إثبات أهل الحق أن اتجاه القبلة في الولايات المتحدة وكندا إلى الجنوب الشرقي، سمير القاضي ورياض الناشف، جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية، 1994م.

(4) القبلة الصحيحة، كمال عبدلي، 1997م.

(5) ما هو اتجاه القبلة في أمريكا الشمالية؟، موقع السنة، فتوى 1994م، فتوى 2015م.

(6) تحديد اتجاه القبلة في كندا، الدرر البهية من الفتاوى الكويتية، موقع موسوعة الفتاوى، 2017م.

لتحميل المقال

Mega – Archive – GoogleDrive – Scribd

اترك تعليقًا