﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر 5]،.

فالليل والنهار يتكوران، جيد، هكذا الآية بلا تأويل.

الآن،. الذي أوّلها قال “والليل والنهار علامتهما الشمس والقمر،. وهذا يعني أنهما يدوران،. وطالما هما يدوران فهذا يعني أن الأرض كرة”!

لحظة لحظة،. أنت قلت (يدوران)،. من أين أتيت بها؟ ولماذا استنتجت من الدوران أنها كرة؟ وهل كل شيء يدور، لزاماً يدور حول كرة؟! دُر حول كرسي (كما يفعلون بلعبة الكراسي)،. هل سيصبح الكرسي كرة؟!،.

ماذا لو قال شخصٌ بأن الأرض مسطحة، ((وتدور))، وفعل مثلكم،. جاء وأسقط هذه الآية علىٰ قوله؟! فلا مانع عنده في الدوران،. ولكنه سيقول تدور ولكنها مسطحة،. ويحق له الاستدلال بنفس الآية، فكيف تردون عليه؟!،.

الليل والنهار، أو الشمس والقمر، قد يدوران حول الأرض، (هذا احتمال) وقد يدوران فوق الأرض كما تدور الرحى فوق الطحين،. وهذا كذلك يوافق معنى التكوير تماماً،. (وهذا إحتمال جائز جداً)، والتكوير لسانا كما قال بعضهم كأن يكور المرء عمامته فوق رأسه! وليست حول رأسه! وسنبين فيه بالتفصيل،.

فيبقى ما عندهم هو تفسيرهم وتأويلهم وليس كلام الله،. ولا يحق لهم إلزام أحدٍ بكلامهم،. خاصة أن الآية لا تتكلم عن السماوات والأرض بل عن الليل والنهار،. لكنهم أدخلوا الأرض في الآية عنوةً! لأنهم هم يريدونها كرةً تدور!،.

ثانياً التكوير من كَوَرَ،. فيها حرف الواو من أصل الكلمة وليست زائدة،. أما التي تريدونها هي -كرة- ليس فيها (واو) أصلاً،. جذرها كَرَرَ،. فهُما كلمتان مختلفتان وليستا سواء،.

ثالثاً،. لو تخيلنا المجموعة الشمسية وما علمونا إياه من دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، يكون الواقع أن الله يكور الأرض على الليل والنهار، هكذا يستقيم المعنى، وليست (يكور النهار على الليل)،. فالليل والنهار ليستا كرويتان، بل الأرض (عندهم) كروية!،.

رابعاً : هم فسروا وتأولوا فتوصلوا لكلمة ((كروية)) وأقحموها علىٰ الآية إقحاماً،.

نحن أتيناك بآية صريحة بلا تأويل ولا تفسير يفهمها كل عربي عاقل، وتتكلم عن الأرض نفسها ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾!،.

وعندنا أدلة كثيرة غيرها تثبت أن الأرض ليست كروية البتة، بل مسطحة،. فهي مع الآية الواضحة المبينة،. فأي الفريقين أولى بالحق؟

التكوير بالعربية هو تداخل الشيء في الشيء بغرض الإخفاء، الإخفاء بالتدرج، أو إيلاج الشيء في الشيء، أو تغطيته،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير 1]، هذه الآية على يوم القيامة، ولكن كيف تتكور الشمس يومها؟! هذا التكوير للشمس يحدث حين تُجمع الشمس مع القمر فتختفي وكأنها تخسف، قالَ اْللّٰه في سورة القيامة ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ ۝ ((وَخَسَفَ الْقَمَرُ ۝ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ))﴾ [القيامة 7 ــ 9]،. فتداخل الشيء في الشيء تكوير، وهكذا الليل والنهار يتداخلان،.. ولتفهم معنى التكوير فهما صحيحاً، انظر في القرآن ماذا قال الله عن الليل والنهار من غير آية يكور الليل على النهار،. قال عنهما ﴿..((يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ)) يَطْلُبُهُ حَثِيثًا..﴾ [اﻷعراف 54]،. ويغشي تعني يخفي ويستر ويغطي،. وقال ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ((نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ))..﴾ [يس 37]،.  والسلخ يُظهر ما كان موارىً ومستور،. وقال ﴿((يُولِجُ)) اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ((وَيُولِجُ)) النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ..﴾ [الحديد 6]،. الولوج الإدخال بالتدرج حتى يختفي،… كلمات ثلاثة، ((يغشي، يسلخ، يولج))،. كلها تدعم بعضها في المعنى والفعل،. بمعنى تخفي احداها الاخرى، وتغطيها وتسترها،. لتدلك مباشرة على معنى ((يكوّر)) وهكذا يفسر القُــرآن، بالقرآن نفسه،. والذي يدعم هذا القول أكثر هو سياق آية التكوير،. فبعد تكوير الشمس تكلم الله عن كدرة النجوم،. ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ۝ وَإِذَا النُّجُومُ ((انْكَدَرَتْ))﴾ [التكوير 1 ــ 2]،. انكدرت واختفت واضمحلت بعد أن كانت ظاهرةً للناس مبينة!،.

فالتكوير تغطية الشيء بالشيء، إضمحلاله، توريته، إخفاؤه، وكان العرب يقولون كور عمامته، فهو يغطي بعضها ببعض،. وفي المعاجم معاني مختلفة كثيرة جداً لمعنى كور، كانت إحداها (الاضمحلال)،. هذا في لسان العرب لابن منظور،.

كان النّبي ﷺ يستعيذ في السفر من الحور بعد الكور،. فعن ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺳﺮﺟﺲ، ﻗﺎﻝ: “ﻛﺎﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺇﺫا ﺳﺎﻓﺮ، ﻗﺎﻝ: اﻟﻠﻬﻢ ﺃﻧﺖ اﻟﺼﺎﺣﺐ ﻓﻲ اﻟﺴﻔﺮ، ﻭاﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﻓﻲ اﻷﻫﻞ، اﻟﻠﻬﻢ اﺻﺤﺒﻨﺎ ﻓﻲ ﺳﻔﺮﻧﺎ، ﻭاﺧﻠﻔﻨﺎ ﻓﻲ ﺃﻫﻠﻨﺎ، اﻟﻠﻬﻢ ﺇﻧﻲ ﺃﻋﻮﺫ ﺑﻚ ﻣﻦ ﻭﻋﺜﺎء اﻟﺴﻔﺮ، ﻭﻛﺂﺑﺔ اﻟﻤﻨﻘﻠﺐ، ((ﻭﻣﻦ اﻟﺤﻮﺭ ﺑﻌﺪ اﻟﻜﻮﺭ))، ﻭﺩﻋﻮﺓ اﻟﻤﻈﻠﻮﻡ، ﻭﺳﻮء اﻟﻤﻨﻈﺮ ﻓﻲ اﻷﻫﻞ ﻭاﻟﻤﺎﻝ” ﺃﺧﺮﺟﻪ اﻟﻄﻴﺎﻟﺴﻲ، ﻭاﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺷﻴﺒﺔ، ﻭﺃﺣﻤﺪ، ﻭﻋﺒﺪ ﺑﻦ ﺣﻤﻴﺪ، ﻭاﻟﺪاﺭﻣﻲ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭاﺑﻦ ﻣﺎﺟﺔ، ﻭاﻟﺘﺮﻣﺬﻱ، ﻭاﻟﻨﺴﺎﺋﻲ، ﻭاﺑﻦ ﺧﺰﻳﻤﺔ، ﻭاﻟﺒﻴﻬﻘﻲ.

قالوا قديماً “بالضد تُعرف الأشياء” أو “بضدها تُعرف الأشياء” فلا تعرف الصحة إلا بالمرض ولا البصر إلا بالعمى ولا الشبع إلا بالجوع ولا الفراغ إلا بالشغل ولا النور إلا بالظلام،. من الحديث السابق، يتبين أن الكور عكس الحور، فما معنى حور؟! فلو عرفنا معنى الحور سنتبين من معنى الكور لزاماً،.

الحور في العربية هو الواضح،. البين،. الجلي،. المنكشف، ليس فيه نفاق، أبيض تمام البياض،. أو أسود تمام السواد،. ليس رمادي بين وبين.

ومنها (الحور العين)! التي ترى مخ ساقها من الحسن، قال اللّه عنهن ﴿((عُرُبًا)) أَتْرَابًا﴾ [الواقعة 37]،. عرب أي: واضحات، متكشفات لأزواجهن،. والإعراب الإظهار والتوضيح، والأعراب البدو البادين المنكشفين، والقُــرآن عربي أي مبين وجلي،. ومنها كذلك ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ ((يَحُورَ))﴾ [الانشقاق 14]،. أي يظن أنه لن ينكشف ويظهر! والحِوار حين يظهر كل متحاور ما يبطنه،. والحُر عكس العبد، العبد مقيد محكوم في ضيق من أمره ولا يتكلم إلا بإذن سيده، بعكس الحُر يخرج ويظهر ويبوح وليس بمقيد ولا ممنوع، وفي الجو الحار تكشف عن جسمك لتتهوى، بعكس البرد تتغطى وتتستر، النار أشهر مصادر الحرارة، النار علامة ظاهرة تكشف مكانك وتظهره للبعيد، عكسها الجنة المخفية المحفوفة بالشجر، والجِن مخفي، كذلك الجنين، والمجن يخفيك ويسترك، بالحرارة تتباين أجزاء الطعام وتنطبخ، تخرج الدم والروائح، وتفتت وتفكك اليابس،. عكس البرد الذي يحافظ على هيئة الطعام،. الحور تباين وإظهار وشدة وضوح،. وانظر لشدة وضوح الحواريين وصراحتهم،. ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ((هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)) أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ قَالُوا ((نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا)) ((وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا)) ((وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا)) وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة 112 ـ 113]،.

والنّبي ﷺ في هذا الحديث،. حين استعاذ بالحور بعد الكور، قالها كدعاء للسفر،. والمسافر يخرج من بيته الذي يستره فينكشف،. والسفر يعني الظهور والانكشاف،. سمى الله التوراة أسفاراً،. ﴿((مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ)) ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ ((يَحْمِلُ أَسْفَارًا)) بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة 5]،. سماها أسفاراً من شدة وضوحها،. فالسَّفَر في اللسان الانكشاف والظهور،. يقال فلان مسافر حين ينكشف ويظهر ويبدو،. ونقول امرأة سافرة للمتكشفة ضد المتسترة، وقال عمر بن الخطاب، السَّفر يُسفر عن أخلاق الرجال، أي يكشفه،. وفي الحديث الصحيح عن جابر بن عبدالله الأنصاري أن جبريل صلى بالنبي ﷺ الصبح حين أسفر جداً، فكان الرَّسـوْل ﷺ لا يصلي الفجر حتى يبدو ويستنير ويسطع وينشق ويظهر ويطلع وينفجر الفجر،. وهذا الإسفار،.

فكأن النّبي ﷺ حين دعى بهذا الدعاء عند السفر،. كأنه يدعو الله أنه قد كان في ستر، والآن قد ظهر وانكشف، فيستعيذ باللّٰه من تبدل وانقلاب الحال، أي الفضح بعد الستر، فقال الحور بعد الكور،. فالحور انكشاف، فتبين الآن معنى الحور، فبالتالي الكور يقابله في المعنى، أي هو الخفي المستور المغطى،. وهذا يوافق بقية الكلمات التي ذكرت عن الليل والنهار،.

وليس الموضوع عن الكرة الأرضية ولا التدوير،.

ومن كان مصرا على استدلاله بآية الزمر أن الأرض كروية الشكل،. سنقابله بالسؤال التالي،. قالَ اْللّٰه كذلك في كتابه ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير 1]، فالشمس ستتكور يوم القيامة، فما هو شكلها الآن قبل أن تتكور؟،.

والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ،. رَبَنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،.. ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾

بكيبورد،. محسن الغيثي،.

2 comments

  1. لو سلمنا بأنَّ التكوير بمعنى جعل الشيء كرويًا والأرض هيَّ الجسم الذي يتكور عليه الليل والنهار فالليل والنهار يتكوران بشكل كروي على الأرض الكروية لزم من ذلك أن تكون الأرض داخل الليل ليلًا وداخل النهار نهارًا فيصبح اليوم على الأرض بلا شمس ولا قمر بلا فجر ولاضحى بلا شروق ولاغروب (يعني الصلاة عشا بس) نموذج يوسوس لإبليس نفسه !!!

    ما وجدت في مقالاتكم التطرق لمسألة المجاز واصطلاح اللغة لأنَّ بعض الفتوى بالكروية وكذبة الهبوط على القمر مش صعبة قوية اعتمدت على التأويل وصرف الآيات عن ظاهرها كما فعلت فرق تأويل الصفات للتشبيه والإعتماد على وضع متقدم لمعاني الألفاظ كمن يقول بأن اللغات اصطلاحية !!

    وأمر اخير قرأت لك أن شيخ الإسلام ذكر صفة العرش وما أعلمه بأنه ذكر ذلك على في معرض الرد على من قال بذلك .. لولا أكدت لنا ذلك ؟!

    فقد نقل عنه الإجماع على كروية الأرض ممن لا يميز الفرق بين إذا وإنْ واستخدمت اقواله في غير محلها ممن نظن بهم خيرا واستغلال ملاحدة العرب ذلك للهجوم عليه !!

    إعجاب

    1. للسموات والأرض عرض مشترك وهذا ثابت بنص القرآن وهذا لن يكون إلا إذا كانت مسطحة وثابتة والسموات مرتكزة عليها قبابا طباقا فوق بعض
      قضي الأمر

      إعجاب

اترك رداً على صلاح بن صالح إلغاء الرد